عمر بن مسعود بن ساعد المنذري

27

كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية

العالية الفعالة . وأما الموالد السفلية ؛ فالوقوف التام أيضا على طبائعها متعذر ، لأن القبول التام لا يحصل إلا مع شرائط مخصوصة من الكيف والكم وسائر المقولات ، والموالد السفلية غير ثابتة على حالة واحدة ، بل هي أبدا في الاستحالة والتغيير ، وكأن قد لا تظهر بما ذكرنا أن الوقوف التام على أحوال القوى المنفعلة الأرضية غير حاصل للبشر ، ولو حصل ذلك لأحد ، لوجب أن يكون ذلك الشخص عالما بجملة التفاصيل الحاصلة والماضية والآتية ، وأن يكون متمكنا من إحداث أمور عجيبة . فهذا البحث مما ييئس العقل من التمكن من هذه الصناعة ، إلا أنه نعم ما قيل من أن ما لا يدرك كله لا يترك كله . فالعقول البشرية وإن كانت قاصرة عن اكتناه القوى العالية الفعالة والمنفعلة السافلة ، ولا يمكنها الاطلاع على بعض أحوالها ، إما بحسب التجارب المتطاولة والهمات الصادقة ، وذلك القدر وإن كان ناقصا حقيرا بالنسبة إلى ما في الوجود ، ولكنه عظيم بالنسبة إلى قدرة الإنسان وقوته . وليس يلزمنا أنا لما عجزنا عن الإحاطة بالكل ، أن لا ننتفع بما أحطنا به ، ولا يلزمنا من عدم البرهان عدم العلم ، لأن عدم البرهان من عدم العلم . ولا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم . فمعرفة طبائع الأغذية والأدوية حاصلة ، مع أن تلك المعارف غير برهانية ، بل هذه الصناعة أولى بالرعاية من صناعة الطب ؛ لأنها بعد الاشتراك في عدم البراهين المنطقية امتازت هذه الصناعة عن الطب ، بأنها إما أن تنفع وأن لا تضر . وأما الطب فيحتمل أن ينفع وأن يضر ، فإن الدواء المتناول يحتمل أن يضر كما يحتمل أن ينفع ، فثبت أن هذه الصناعة واجبة الرعاية . فإن قيل : الذي تقتضيه الدلائل النجومية إن صدقت امتنع دفعها ، فلا فائدة في معرفتها ، وإن كذبت فلا حاجة إليها . فنقول : هذا التقسيم عائد في جميع الأشياء .